فصل: تفسير الآية رقم (138):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: محاسن التأويل



.تفسير الآية رقم (131):

القول في تأويل قوله تعالى: {إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [131].
{إِذْ} أي: أصطفيناه لأنه: {قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ} أي: لربك، أي: انقد له، وأخلص نفسك له، أو استقم على الإسلام، واثبت على التوحيد: {قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} وظاهر النظم الكريم أن القول حقيقي، وليس في ذلك مانع، ولا ما جاء ما يوجب تأويله. وقول بعضهم: هو تمثيل، والمعنى: أخطر بباله دلائل التوحيد المؤدية إلى المعرفة الداعية إلى الإسلام ليس بشيء. ولا معنى لحمل شيء من الكلام على المجاز، إذا أمكنت فيه الحقيقة بوجه ما.

.تفسير الآية رقم (132):

القول في تأويل قوله تعالى: {وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} [132].
{وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ} شروع في بيان تكميله عليه السلام لغيره، إثر بيان كماله في نفسه. والتوصية التقدم إلى الغير في الشيء النافع المحمود عاقبته، والضمير في: {بها} إما عائد لقوله: {أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} على تأويل الكلمة والجملة. ونحوه رجوع الضمير في قوله: {وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً} [الزخرف: 28]، إلى قوله: {إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي} [الزخرف: 2627]، وقوله: {كَلِمَةً} دليل على أن التأنيث على تأويل الكلمة. وإما عائد إلى الملة في قوله: {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ}، وأيد الأول بكون الموصى به مطابقاً في اللفظ لأسلمت، وقرب المعطوف عليه. ورجح القاضي الثاني لكون المرجع مذكوراً صريحاً، وردَ الإضمار إلى المصرح بذكره، إذا أمكن، أولى من رده إلى المدلول والمفهوم. ولكون الملة أجمع من تلك الكلمة. والكل حسن. وقوله تعالى: {بَنِيهِ} تفيد صيغة الجمع أن لإبراهيم عليه السلام من الولد غير إسماعيل وإسحاق. وقرأت في سفر التكوين من التوراة أن إبراهيم عليه السلام تزوج، بعد وفاة سارة أم إسحاق، امرأة أخرى اسمها قَطُورةُ، فولدت له: زِمْرَانَ وَيَقْشان وَمَدَانَ ومِدْيانَ ويِشْبَاقَ وشُوحاً، فعلى هذا تكون بنوه عليه السلام ثمانية: {وَيَعْقُوبُ} معطوف على إبراهيم، ومفعوله محذوف تقديره: ووصى يعقوب بنيه؛ لأن يعقوب أوصى بنيه أيضاً كما أوصى إبراهيم بنيه. ودليل ذلك قوله تعالى: {إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي} [البقرة: 133]، كما سيأتي. وقرئ: {ويعقوبَ} بالنصب عطفاً على {بنيه} ومعناه: ووصى بها إبراهيم بنيه، ونافلته يعقوب. وقد ولد يعقوب في حياة جده إبراهيم، وأدرك من حياته خمس عشرة سنة، كما يستفاد من سفر التكوين من التوراة، فإن فيها أن إبراهيم عليه السلام، ولد له إسحاق وهو ابن مائة سنة، ومات وهو ابن مائة وخمس وسبعين سنة، وكان لإسحاق، حين ولد له يعقوب وعيسو، ستون سنة، فاستفيد من ذلك ما ذكرناه. ولوجود يعقوب في حياة جده يفهم سر ذكره في قوله تعالى: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ} [الأنعام: 84]، وفي آية أخرى: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً} [الأنبياء: 72] {يَا بَنِيَّ} أي: قال كل من إبراهيم ويعقوب، على القراءة الأولى. وعلى الثانية: قال إبراهيم: يا بني: {إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ} أعطاكم الدين الذي هو صفوة الأديان، وهو دين الإسلام، الذي لا دين غيره عند الله تعالى: {فَلاَ} أي: فتسبب عن ذلك أني أقول لكم: لا: {تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} وفي هذه الجملة إيجاز بليغ. والمراد: الزموا الإسلام، ولا تفارقوه حتى تموتوا. وهذا الاستثناء مفرغ من أعم الأحوال، أي: لا تموتوا على حالة إلا على حال كونكم ثابتين على الإسلام، فالنهي في الحقيقة عن كونهم على خلاف حال الإسلام إذا ماتوا؛ لأنه هو المقدور. فلا يقال: صيغة النهي موضوعة لطلب الكف عما هو مدلولها، فيكون المفهوم منه النهي عن الموت على خلاف حال الإسلام، وذا ليس بمقصود، لأنه غير مقدور. وإنما المقدور فيه هو الكون على خلاف حال الإسلام، فيعود النهي إليه، ويكون المقصود النهي عن الاتصاف بخلاف حال الإسلام وقت الموت، لما أن الامتناع عن الاتصاف بتلك الحال يتبع الامتناع عن الموت في تلك الحال. فإما أن يقال: استعمل اللفظ الموضوع للأول في الثاني، فيكون مجازاً. أو يقال: استعمل اللفظ في معناه لينتقل منه إلى ملزومه، فيكون كناية.
قال الزمخشريّ: ونظير ذلك قولك: لا تصلّ إلا وأنت خاشع، فلا تنهاه عن الصلاة، ولكن عن ترك الخشوع في حال صلاته، والنكتة في إدخال حرف النهي عما ليس بمنهيّ عنه، هو إظهار أن موتهم لا على حال الثبات على الإسلام، موت لا خير فيه، وأنه ليس بموت السعداء، وأن من حل هذا الموت أن لا يحل فيهم. كما تقول في الأمر: مت وأنت شهيد، فليس مرادك الأمر بالموت، ولكن بالكون على صفة الشهداء إذا مات. وإنما أمرته بالموت اعتداداً منك بميتته، وإظهاراً لفضلها على غيرها، وإنها حقيقة بأن يُحَثَّ عليها، هذا وقد قرر سبحانه بهذه الآيات بطلان ما عليه المتعنتون من اليهودية والنصرانية، وبرأ خليله والأنبياء من ذلك، ولما حكى عن إبراهيم عليه السلام أنه بالغ في وصية بنيه بالدين والإسلام، ذكر عقيبه أن يعقوب وصى بنيه بمثل ذلك تأكيداً للحجة على اليهود والنصارى، ومبالغة في البيان بقوله:

.تفسير الآية رقم (133):

القول في تأويل قوله تعالى: {أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِلَهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [133].
{أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ} أي: ما كنتم حاضرين حينئذ، فـ: {أم} منطقعة مقدّرة ببل، والهمزة، وفي الهمزة الإنكار المفيد للتقريع والتوبيخ. والشهداء جمع شهيد أو شاهد بمعنى الحاضر، وحضور الموت حضور مقدماته: {إِذْ قَالَ} أي: يعقوب: {لِبَنِيهِ} وهم: رأُوبَيْن، وشِمْعُونَ، ولاَوِي، ويَهُوذَا، ويَسَّاكَر، وزَبُولُون، ويُوسُف، وَبَنْيامين، ودَانُ، ونَفْتاَلي، وجادُ، وأشِيرُ، وهم الأسباط الآتي ذكرهم: {مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي} أي: أي: شيء تعبدونه بعد موتي، وأراد بسؤاله تقريرهم على التوحيد والإسلام، وأخذ ميثاقهم على الثبات عليهما: {قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ} عطف بيان لآبائك، وجعل إسماعيل وهو عمه من جملة آبائه؛ لأن العم أب والخالة أم، لانخراطهما في سلك واحد، وهو الأخُّوة، لا تفاوت بينهما، ومنه حديث الترمذي عن علي كرم الله وجهه، رفعه: «عم الرجل صنو أبيه» أي: لا تفاوت بينهما، كما لا تفاوت بين صنوي النخلة. وفي الصحيحين عن البراء، رفعه: «الخالة بمنزلة الأم»، وروى ابن سعد عن محمد بن عليّ مرسلاً: «الخالة والدة».
{إِلَهاً وَاحِداً} بدل من إله آبائك، كقوله تعالى: {بِالنَّاصِيَةِ نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ} [العلق: 15- 16] أو على الاختصاص، أي: نريد بإله آبائك إلهاً واحداً، وفي ذلك تحقيق للبراءة من الشرك، للتصريح بالتوحيد، ثم أخبروا بعد توحيدهم بإخلاصهم في عبادتهم، بقولهم: {وَنَحْنُ لَه} أي: وحده لا لأب ولا غيره: {مُسْلِمُونَ} أي: مطيعون خاضعون، كما قال تعالى: {وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً} [آل عِمْرَان: 83] والإسلام هو ملة الأنبياء قاطبة، وإن تنوعت شرائعهم، واختلفت مناهجهم، كما قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25] والآيات في هذا كثيرة، والأحاديث. منها قوله صلى الله عليه وسلم: «نحن معاشر الأنبياء أولاد علاتٍ، دينناً واحد» وقد اشتمل نبأ وصية إبراهيم ويعقوب عليهما السلام لبنيهما على دقائق مرغبة في الدين:
منها أنه تعالى لم يقل: «وأمر إبراهيم بنيه» بل قال: وصاهم. ولفظ الوصية أوكد من الأمر، لأن الوصية عند الخوف من الموت، وفي ذلك الوقت يكون احتياط الْإِنْسَاْن لدينه أشد وأتم، فدل على الاهتمام بالوصي به، والتمسك به.
ومنها تخصيص بنيهما بذلك؛ وذلك لأن شفقة الرجل على أبنائه أكثر من شفقته على غيرهم، فلما خصَّاهُم بذلك في آخر عمرهما علمنا أن اهتمامهما بذلك كان أشد من اهتمامهما بغيره.
ومنها أنهما، عليهما السلام، ما مزجا بهذه الوصية وصية أخرى، وهذا يدل على شدة الاهتمام أيضاً، إلى دقائق أخرى أشار إليها الفخر، عليه الرحمة.

.تفسير الآية رقم (134):

القول في تأويل قوله تعالى: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [134].
{تِلْكَ} إشارة إلى إبراهيم ويعقوب وبينهما الموحدين: {أُمَّةٌ} أي: جيل وجماعة: {قَدْ خَلَتْ} أي: سلفت ومضت: {لَهَا مَا كَسَبَتْ} في إسلامها من الاعتقادات والأعمال والأخلاق: {وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ} أي: مما أنتم عليه من الهوى خاص بكم، لا يسألون هم عن أعمالكم: {وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} والمعنى أن أحداً لا ينفعه كسب غيره متقدماً كان أو متاخراً: فكما أن أولئك لا ينفعهم إلا ما اكتسبوا، فكذلك أنتم لا ينفعكم إلا ما اكتسبتم، فما اقتص عليكم أخبارهم، وما كانوا عليه من الإسلام والدعوة إليه، إلا لتفعلوا ما فعلوه، فتنتفعوا، وإن أبيتم، لم تنتفعوا بأعمالهم.
قال الرازي: الآية دالة على بطلان التقليد، لأن قوله: {لَهَا مَا كَسَبَتْ} بدل على أن كسب كل واحد يختص به، ولا ينتفع به غيره، ولو كان التقليد جائزاً، لكان كسب المتبوع نافعاً للتابع، فكأنه قال: إني ما ذكرت حكاية أحوالهم طلباً منكم أن تقلدوهم، ولكن لتنَبَّهُوا على ما يلزمكم، فتستدلوا وتعلموا أن ما كانوا عليه من الملة هو الحق. انتهى.
ومعلوم أن إتباع الأنبياء عليهم السلام، والإيمان بهم، لا يسمى تقليداً، لخروجه عن حده المقرر في كتب الأصول.
ثم أخبر تعالى أنهم اعتاضوا عن الاهتداء بالأصفياء من أسلافهم، بأن صاروا دعاة إلى الكفر، مع بيان بطلان ما هم عليه من كل وجه بقوله:

.تفسير الآية رقم (135):

القول في تأويل قوله تعالى: {وَقَالُواْ كُونُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُواْ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [135].
{وَقَالُواْ} أي: الفريقان من أهل الكتاب: {كُونُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُواْ قُلْ بَلْ} نتبع: {مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ} ونستن بسنته لا نحول عنها كما تحولتم: {حَنِيفاً} أي: مستقيماً أو مائلاً عن الباطل إلى الحق، لأن الحنف محركة يطلق على الاستقامة، ومنه قيل للمائل الرِّجل أحنف، تفاؤلاً بالاستقامة كم قالوا للديغ: سُلَيم. وللمهلكة: مفازة. ويطلق على ميل في صدر القدم، واعوجاج في الرجل، فالحنيف المستقيم على إسلامه لله تعالى، الماثل عن الشرك إلى دين الله سبحانه.
ولما أثبت إسلامه بالحنيفية نفى عنه غيره بقوله: {وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} وفيه تعريض بأهل الكتاب، وإيذان ببطلان دعواهم اتباعَه عليه السلام، مع إشراكهم بقولهم: عزير ابن الله، والمسيح ابن الله، قد أفادت هذه الآية الكريمة أن ما عليه الفريقان محض ضلال وارتكاب بطلان، وأن الدين المرضيّ عند الله الإسلام، وهو دعوة الخلق على توحيده تعالى، وعبادته وحده، لا شريك له.
ولما خالف المشركون هذا الأصل العظيم بعث الله نبيه محمداً خاتم النبيين لدعوة الناس جميعاً إلى هذا الأصل.

.تفسير الآية رقم (136):

القول في تأويل قوله تعالى: {قُولُواْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [136].
{قُولُواْ} أي: يا أيها الذين آمنوا. وفيه إظهار لمزية فضل الله عليهم حيث يلقنهم ولا يستنطقهم فيقصروا في مقالهم: {آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أنزِلَ إِلَيْنَا} أي: من الكتاب الذي تقدم إنه الهدى: {وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ} من الأحكام التي كانوا متعبدين بها، مما اشتملت عليه صحف أبيهم إبراهيم عليه السلام ومن الموحى إليهم خاصة. والأسباط هم أولاد يعقوب الاثنا عشر المتقدم ذكرهم، جمع سبط وهو الحافد. سموا بذلك لكونهم حفدة إبراهيم وإسحاق {وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى} من التوراة والإنجيل: {وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ} مما ذكر، وغيرهم {لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ} في الإيمان فلا نؤمن ببعض ونكفر ببعض كما فعلت اليهود والنصارى: {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} منقادون.
وقد روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالله وما أنزل إلينا».

.تفسير الآية رقم (137):

القول في تأويل قوله تعالى: {فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [137].
{فَإِنْ آمَنُواْ} أي: أهل الكتاب الذي أرادوا أن يستتبعوكم: {بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ} أي: بما آمنتم به على الوجه الذي فصل، على أن المثل مقحم. وقد قرأ ابن عباس وابن مسعود: {بما آمنتم به} وقرأ أُبيّ: {بالذي آمنتم به} {فَقَدِ اهْتَدَواْ} إلى الحق، وأصابوه كما اهتديتم. عكس ما قالوا: كونوا مثلنا تهتدوا: {وَّإِن تَوَلَّوْاْ} أي: أعرضوا عن الإيمان بما أمنتم به {فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ} أي: فما هم إلا في خلاف وعداوة وليسوا من طلب الحق في شيء.
قال القاضي: ولا يكاد يقال في المعاداة على وجه الحق أو المخالفة التي لا يتكون معصية إنه شقاق. وإنما يقال ذلك في مخالفة عظيمة توقع صاحبها في عداوة الله وغضبه ولعنه، وفي استحقاق النار، فصار هذا القول وعيداً منه تعالى لهم، وصار وصفهم بذلك دليلاً على أن القوم معادون للرسول، مضمرون له السوء، مترصدون لإيقاعه في المحن، فعند هذا أمنه الله تعالى من كيدهم، وأمن المؤمنين من شرهم ومكرهم فقال: {فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللّهُ} تقوية لقلبه وقلب المؤمنين لأنه تعالى إذا تكفل بالكفاية في أمر حصلت الثقة به. وقد أنجز وعده بقتل قريظة وسبيهم وإجلاء بني النضير: {وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} أتبع وعده بالنصر والكفاية، بما يدل على أن ما يسرون وما يعلنون من أمرهم لا يخفى عليه تعالى. فهو يسبب لكل قول وضمير منهم ما يردّ ضرره عليهم. فهو وعيد لهم، أو وعدٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم. أي: يسمع ما تدعو به، ويعلم نيتك وما تريده من إظهار دين الحق، وهو مستجيب لك وموصلك إلى مرادك.

.تفسير الآية رقم (138):

القول في تأويل قوله تعالى: {صِبْغَةَ اللّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ} [138].
{صِبْغَةَ اللّهِ} مصدر مؤكد منتصب من قوله: {آمنا بالله} كذا قاله سيبويه، فهو بمثابة فِعْلَه. كأنه قيل صبغنا الله صبغة. أي: صبغ قلوبنا بالهداية والبيان صبغة كاملة لا ترتفع بماء الشبه، ولا تغلب صبغةُ غيره عليه. والصبغة كالصبغ بالكسر فيهما لغة، ما يصبغ به وتلون به الثياب. ووصف الإيمان بذلك لكونهم تطهيراً للمؤمنين من أوضار الكفر، وحلية تزيّنهم بآثاره الجميلة، ومتداخلاً في قلوبهم، كما أن شأن الصبغ بالنسبة إلى الثوب كذلك، ويقال: صبغ يده بالماء غمسها فيه، وأنشد ثعلب:
دَعِ الشَّرِّ وَانْزِلْ بِالنَّجَاةِ تَحَرُّزاً ** إِذَاْ أَنْتَ لَمْ يَِصْبِغْكَ فِي الشَّرِّ صَاْبِغُ

وقال الراغب: الصبغة إشارة من الله عز وجل إلى ما أوجده في الناس من بداية العقول التي ميزنا بها من البهائم، ووشحنا بها لمعرفته ومعرفة حسن العدالة وطلب الحق، وهو المشار إليه بالفطرة في قوله: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} [الروم: 30] الآية، والمعني بقوله عليه السلام: «كل مولود يولد على الفطرة...» الخبر، وتسمية ذلك بالصبغة من حيث إن قوى الْإِنْسَاْن التي ركب عليها، إذا اعتبرت بذاته، تجري مجرى الصبغة التي هي زينة المصبوغ. ولما كانت اليهود والنصارى، إذا لقنوا أولادهم اليهودية والنصرانية، يقولون: قد صبغناه- بيّن تعالى أن الإيمان بمثل ما آمنتم به هو صبغة الله وفطرته التي ركزها في الخلق، ولا أحد أحسن صبغة منه.
ثم قال: وقول الحسن وقتادة ومجاهد: إن الصبغة هي الدين، وقول غيرهم: إنها الشريعة، وقول من قال: هو الختان- إشارة إلى مغزى واحد: {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ صِبْغَةً} الاستفهام للإنكار والنفي. أي: لا صبغة أحسن من صبغته تعالى؛ لأنها صبغة قلب لا تزول؛ لثباتها بما تولاها الحفيظ العليم، فلا يرتد أحد عن دينه سخطة له بعد أن خالط الإيمان بشاشة قلبه. والجملة اعتراضية مقررة لما في: {صبغة الله} من معنى الابتهاج: {وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ} شكراً لتلك النعمة ولسائر نعمه، فكيف تذهب عنا صبغته ونحن نوكدها بالعبادة، وهي تزيل رَََيْن القلب فينطبع فيه صورة الهداية؟ وهو عطف على آمنا، داخل معه تحت الأمر.